هشام جعيط

136

نشأة المدينة العربية الإسلامية " الكوفة "

وضعية بجيلة القليلة العشائر ذات القطائع الكبرى المترامية في الطول والمكتسبة لخطة قبلية قليلة العرض ( واقعة في الشمال ) ، يكفي المنهج الطولي من الصنف الثالث ( 20 ذراعا - 8 ، 10 أمتار ) لرسم الخط القاسم بين قطيعتين متواجهتين . ولن يكون الزقاق الإضافي في الاتجاه نفسه زائدا عن الحاجة فقط ، بل يكون غير قابل للبقاء . لكن أزقة بجيلة ، كما أزقة ثقيف ، وأزقة منطقة الشمال عامة ، نجدها حاضرة كل الحضور في الروايات اللاحقة عن الثورات حيث توحي لنا بشعور بالضيق والغموض . إضافة إلى أن هذه الروايات توحي ببنية عارضة للأزقة في اتجاه شرق - غرب تصل المناهج فيما بينها « 1 » : فلا يمكن لهذا ، التخلي عن فرضية الأزقة العمودية في صنفي الخطط ، الخطط ذات القطائع المتعددة حيث تدخل الأزقة ضمن النسق الطولي للمناهج كما الخطط قليلة القطائع حيث تكون الأزقة عارضة فحسب . فهل نتوصل من جديد إلى مخطط مشبّك ؟ لا ، قطعا ، لأن المخطط المشبّك يفرض مسبقا وجود وحدات ذات بعد متساو . لكن تشكيلة الكوفة في بدايتها تعارضه كل المعارضة . لا نجد في هذا المقام جزرا سكنية على الطريقة الرومانية ، ولا كتلا من العمارات على الطريقة الهلنستية . بل هناك تصفيف من صنف عربي « 2 » . ولنبين أنه لم يكن يعوزه الفكر الهندسي ، ولا عقلانية التصور المتأثرة بالتقليد البدوي بلا ريب . يظهر الفكر الهندسي في الخطط ومتفرعاتها ، وفي القطائع ، ويبرز في أهمية نسق الطرق التي اتسعت بصورة ممتازة ، وانتظمت ، واتجهت كلها إلى المركز ، والتي يصب بعضها في البعض الآخر ، والمنظمة لسيل البشر . وتلتزم العقلانية بإرادة التنظيم ، وتبرز في توزيع الفضاء الصالح للسكن على الأضلع الأربعة لمربع المركز ، وإسناد الخطط للقبائل ، وحتى توأمة القبائل ضمن خطة واحدة ، وتفصيل القطائع . هنا نجد كل شيء يخالف المدينة العفوية : إنها مدينة منظمة تنظيما مفرطا ، كأنها رسمت على الورق ، لكن هذه العقلانية تتحقق في آن وتتقهقر في تشكيلة الخطط السّكنية الممفصلة تمفصلا شديدا ، هذه التشكيلة تخضع لروح شعب ، وتقليد حضاري أصيل . وهي تكشف لنا عن عقلانية سياسية - ومعمارية - قصوى ، لأنها تعتبر العنصر البشري على علاته . إذ كيف تمكن العرب البدو من التكيف مع التعايش الدائم في حين أنهم تعودوا الرحاب الفسيحة ، لو لم يعيدوا تشكيل بنية مأنوسة لديهم عربية صرف ؟ لكن هذه البنية التي كانت نواة للتطور القادم ، كانت تقع تحت عبء ضيق المجال الصالح

--> ( 1 ) الطبري ، ج 5 ، ص 262 ؛ وج 6 ، ص 21 . ( 2 ) قارن بخصوص خطط القبائل وقطائع العشائر في الكوفة المخطط الذي أورده ايفانز - بريتشارد عن أوطان قبائل بنغازي لكن هنا بصورة مكبرة ، Evans - Pritchard , The Sanu ? si ? of Cyrenaica , Oxford , 1949 , . p . 55 .